السيد علي الطباطبائي

432

رياض المسائل ( ط . ق )

بالإرسال فلا يقاومان ما سبق من وجوه فلا إشكال من جهتهما وإنما الإشكال من جهة الرواية المقيدة بالسنة الظاهرة في عدم الكراهة فيما دونه ومقتضى الأصول وإن كان لزوم تقييد إطلاق ما سبقها بها إلا أن التعليلات فيها كادت تلحقها بالنص على الكراهة مطلقا سيما التعليل بإيراثها قساوة القلب وأنه أمر غير اختياري فيكون التعارض بينهما من قبيل تعارض النصين ولا ريب أن الأخذ بما هو المشهور أولى وخصوصا مع كونه أحوط وأولى للمسامحة في أدلة السنن بما لا يتسامح في غيرها بناء على أنه ليس المفهوم من الرواية استحباب الإقامة فيما دون السنة وإنما غايتها كسائر الفتاوى المقيدة عدم الكراهة فيه وهو أعم من الاستحباب فالكراهة لا معارض لها من قبيلة فصاعدا ليتوقف في الفتوى بها مسامحة نعم المرسلان قد أفاد الاستحباب لكن قد عرفت الجواب عنهما [ الحج والعمرة على الإبل الجلالة ] والحج والعمرة على الإبل الجلالة كما في بعض المعتبرة ومنع الحاج دور مكة جمع دار من السكنى بها كما في الصحاح وغيرها ليس ينبغي لأهل مكة أن يمنعوا الحاج شيئا من الدور ينزلونها كما في بعضها وبمعناه الباقي وفي الخبر أن عليا ع كره إجارة بيوت مكة وقراء سواء العاكف فيه والبادر وبمعناه في تفسير الآية به أحد الصحاح والحسان وغيرهما وفي أحدهما ليس لأحد أن يمنع الحاج شيئا من الدور ومنازلها قيل وبه عبر القاضي وظاهره التحريم كما في صريح الشيخ وظاهر الإسكافي وهو ضعيف لشذوذ القول به ودعوى الإجماع القطعي في السرائر والمدارك على خلافه مضافا إلى الأصل وأظهرية دلالة الصحاح على الكراهة من الحسنة على الحرمة قيل وهي وإن فتحت عنوة فهو لا يمنع من الأولوية واختصاص الآثار بمن فعلها [ أن يرفع بناء فوق الكعبة ] وأن يرفع بناء فوق الكعبة للصحيح لا ينبغي أن يرقع بناء فوق الكعبة ولا يحرم على الأشهر الأظهر للأصل ودلالة الصحيح على الكراهة كما مر خلافا للمحكي عن الشيخ والحلي فرماه وعن القاضي النهي عنه وهو ضعيف والبناء يشمل الدار وغيرها حتى حيطان المسجد قيل وظاهر دفعه أن يكون ارتفاعه أكثر من ارتفاع الكعبة فقدرناه البناء على الجبال حولها مع احتمالها والطواف للمجاور بمكة أفضل من الصلاة وللمقيم بها بالعكس كما في الصحيح وفي آخر الطواف لغير أهل مكة أفضل من الصلاة والصلاة لأهل مكة والقاطنين أفضل من الطواف وفي ثالث عن المقيم بمكة الطواف أفضل له أو الصلاة قال الصلاة وفي رابع من أقام بمكة سنة فالطواف أفضل من الصلاة ومن أقام سنتين خلط من ذا ومن ذا ومن أقام ثلاث سنين كانت الصلاة له أفضل من الطواف وينبغي حمل إطلاق ما مر عليه وفاقا لبعض المحدثين والظاهر أن المراد بالصلاة النوافل المطلقة غير الرواتب إذ ليس في الروايات المزبورة تصريح بأفضلية الطواف على كل صلاة وينبه عليه ما مر في الصحيح المتضمن للأمر بقطع الطواف لخوف فوات الوتر والبدأة في الوتر ثم إتمام الطواف وبذلك صرح بعض الأصحاب قال وبالجملة فلا يمكن الخروج بهاتين الروايتين وأشار بهما إلى الأولى والأخيرة عن مقتضى الأخبار المستفيضة الصحيحة المتضمنة للحث الأكيد على النوافل المرتبة وأنها مقتضية لتكميل ما نقص من الفرائض بترك الإقبال إلى آخر ما قال وهو حسن ومرجعه إلى أن التعارض بين هذه الأخبار وأخبار الحث تعارض العموم والخصوص من وجه ويمكن تقييد كل منهما بالآخر وعليه فينبغي أن يصار إلى الترجيح وهو مع أخبار الحث للتواتر الموجب لقطعيتها بخلاف هذه لأنها من الآحاد المفيدة للظن فلا يترجح على القطع سيما مع تأيدها بما مر من قطع الطواف للوتر مع خوف الفوات [ أما اللواحق ] وأما اللواحق للكتاب أمور أربعة [ الأول من أحدث وألجأ إلى الحرم لم يقم عليه حد ] الأول من أحدث شيئا مما يوجب الحد أو التعزير أو القصاص وألجأ إلى الحرم لم يقم عليه فيه حد بجنايته ولا تعزير ولا قصاص ولكنه ضيق عليه في المطعم والمشرب والمسكن فلا يطعم ولا يسقى ولا يباع ولا يؤدي ليخرج فيقام عليه ولو أحدث ذلك في الحرم قوبل بما يقتضيه جنايته من حد أو تعزير أو قصاص كل ذلك بالكتاب والسنة المستفيضة بل المتواترة ففي الصحيح عن رجل قتل رجلا في الحل ثم دخل الحرم فقال لا يقتل ولا يطعم ولا يسقى ولا يباع ولا يؤدي حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد قلت فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق فقال يقام عليه الحد في الحرم صاغر لأنه لم ير للحرم حرمة وقد قال اللَّه عز وجل فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فقال هذا هو في الحرم فقال لا عدوان إلا على الظالمين ونحوه آخران وغيرهما إلا أنه ليس فيها الاستشهاد بآية الاعتداد وزيد فيها النهي عن التكلم وأطلق الحديث فيها من التكلم ولا خلاف في شيء من ذلك على الظاهر المصرح به في كلام جماعة ولا إشكال إلا في تفسير الضيق بما قدمناه فمن الأصحاب من فسره بأن لا يمكن من ماله إلا ما يسد به الرمق أو ما لا يحتمله مثله عادة ولا يطعم ولا يسقى سواء ولا وجه له أصلا سيما مع اتفاق النصوص على ما قدمناه اللهم إلا أن يقال إن في العمل بمقتضاه من ترك الإطعام والسعي مطلقا قد يوجب تلف النفس المحترمة حيث لا تكون جنايته لنفسه مستغرقة بل مطلقا ولو كانت مستغرقة بل مطلقا فإن إمساك الطعام منه والشراب إتلاف له من هذا الوجه فقد حصل في الحرم ما أريد الهرب عنه وفيه نظر لعدم استناد الإتلاف إلى الممسك بل هو المتلف حيث أمسك عن الخروج فتأمل [ الثاني لو ترك الحاج زيارة النبي ص أجبروا على ذلك ] الثاني لو ترك الحاج زيارة النبي ص أجبروا على ذلك على الأشهر الأظهر وإن كان‍ ت على الآحاد ندبا لأنه أي إطباقهم على تركها جفاء له ص ولا ريب أنه حرام فيجب على الوالي إجبارهم على تركه وفي كلام جماعة أن التعليل إشارة إلى ما في النبوي من أتى مكة حاجا ولم يزدني إلى المدينة فقد جفاني وفيه نظر لعدم مطابقته للمدعي المفروض في العبارة ونحوها من عبارة الشيخ ومن تأخر عنه من الفقهاء وهو اتفاق الحاج على تركها والرواية لو صحت تفيد وجوبها على الآحاد وإن ترك كل منهم جفاء سواء زار الباقون أم لا وهذا لا يجامع مع كونها ندبا ولذا أنكر الحلي وجوب الإجبار عليها رأسا معللا بما ذكرنا وعلى هذا فالظاهر أن مراد من علل الحكم بهذا كالماتن هنا وفي الشرائع والفاضل في التذكرة والمنتهى على ما يحكى وغيرهما مما ذكرنا والأجود ترك هذا التعليل الذي قد يتراءى في النظر أنه عليل والاستدلال للحكم بالصحيح الصريح إن الناس لو تركوا زيارة النبي ص لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من أموال المسلمين واجتهاد الحلي مدفوع بهذا النص الجلي عندنا وإن كان عنده غير بعيد بناء على أصله